محمد بن جرير الطبري

408

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا } قال أبو جعفر : يعني بقوله جل وعز : " يضلّ به كثيرًا " ، يضلّ الله به كثيرًا من خلقه . والهاء في " به " من ذكر المثل . وهذا خبر من الله جل ثناؤه مبتدَأٌ ، ومعنى الكلام : أن الله يُضلّ بالمثل الذي يضربه كثيرًا من أهل النفاق والكفر : - 567 - كما حدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدّي ، في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرَّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : " يضلّ به كثيرًا " يعني المنافقين ، " ويهدي به كثيرًا " ، يعني المؤمنين ( 1 ) . - فيزيد هؤلاء ضلالا إلى ضلالهم ، لتكذيبهم بما قد علموه حقًّا يقينًا من المثل الذي ضربه الله لما ضرَبه له ، وأنه لما ضرَبه له موافق . فذلك إضْلال الله إياهم به . و " يهدي به " ، يعني بالمثل ، كثيرًا من أهل الإيمان والتصديق ، فيزيدهم هدى إلى هُداهم وإيمانًا إلى إيمانهم . لتصديقهم بما قد علموه حقًّا يقينًا أنه موافق ما ضرَبه الله له مثلا وإقرارُهم به . وذلك هدايةٌ من الله لهم به . وقد زعم بعضهم أنّ ذلك خبرٌ عن المنافقين ، كأنهم قالوا : ماذا أراد الله بمثل لا يعرفه كل أحد ، يضلّ به هذا ويهدي به هذا . ثم استؤنف الكلام والخبر عن الله ، فقال الله : " وما يضل به إلا الفاسقين " . وفيما في سورة المدثر - من قول الله : " وليقولَ الذينَ في قلوبهمْ مَرَضٌ والكافرونَ ماذا أرَاد الله بهذا مثلا . كذلك يُضلّ اللهُ مَن يشاءُ ويهدي من يشاء " - ما ينبئ عن أنه في سورة البقرة كذلك ، مبتدأٌ - أعني قوله : " يضلّ به كثيرًا ويهدي به كثيرًا " . * * *

--> ( 1 ) الخبر : 567 - في ابن كثير 1 : 119 ، والدر المنثور 1 : 42 ، والشوكاني 1 : 45 ، وهو فيها تام متصل ، وتمامه الأثر الذي يليه : 568 . ولكن ابن كثير أخطأ ، فوصل هذا الخير بكلام الطبري الذي يليه ، كأنه كله من تفسير ابن عباس وابن مسعود ، وهو خطأ محض . فقول الطبري بعد " فيزيد هؤلاء ضلالا . . " هو من تمام قوله قبل هذا " أن الله يضل بالمثل الذي يضربه كثيرا من أهل النفاق والكفر " .